محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
229
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
والإضلال ، وكذلك ما هو واقع في القدر بالمقصود والذات ، وما هو واقع بالتبع والعرض ، وما هو معلّل بعلّة ، وما هو غير معلّل . ثمّ الحاكم بهذه الأحكام حاكم الشريعة حتّى يطلب التسليم فقط من غير طلب العلّة في كلّ شيء أو حاكم القيامة حتّى يطلب البصيرة ويطلب العلّة في كلّ شيء ؛ وهذه أمور لا يهتدي إلى أبوابها إلّا الهادون المهديّون بكتاب اللّه على صراط اللّه ؛ فقوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً إشارة إلى حكم المفروغ ، وقوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ إشارة إلى حكم المستأنف وكلا الحكمين حقّ ؛ والحكم بأحدهما دون الثاني باطل ؛ وقد عرفت أنّ المفروغ يظهر بالمستأنف وأنّ المستأنف يصدر من المفروغ ؛ وبطل قول فريقي الجبر والقدر والإجبار والتفويض ؛ فعلى حكم : أضلّهم ففسقوا ؛ وعلى حكم : فسقوا فأضلّهم . فسق صدر عن إضلال ، وإضلال صدر عن فسق . هذا تقرير الحكمين في الآية . وأمّا تقرير العموم والخصوص فبيّنّا أنّ القرآن كما هو هدى للناس على العموم فهو هدى للمتّقين على الخصوص ؛ وإذا كان هدى لقوم مخصوصين صار ضلالا لقوم مخصوصين وهم الفاسقون . ( 98 آ ) فصدقت القسمة يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وصارت الهداية خاصّة بالمتّقين والضلال خاصّا بالفاسقين . فحكم العموم فيه غير وحكم الخصوص فيه غير . لكن إنّما يتبيّن ذلك بتقرير ما هو الواقع بالمقصود والذات ، وما هو الواقع بالتبع والعرض . فيقول : إن وضع التنزيل وتبليغ الرسالة لأجل الهداية ، فهو المقصود الأصلي والحكمة الغائية والعلّة الكمالية ، كما أنّ وضع إشراق الشمس هو الإضاءة وجعل النهار مبصرا ليبتغوا من فضل اللّه ويسرحوا في أرضه ، ويطلبوا من رزقه ، لنيل العاجل من دنياهم ودرك الآجل من أخراهم ، ليصلح سرائرهم ويبلو أخبارهم . ثمّ إن كان بعين واحد رمد من حيث الصورة ، فاستضرّ بضوء الشمس ، فأضاف الضرر إلى الشمس فلعنها ، أو كان بعين واحد رمد من حيث المعنى فاستكثر ضوءها ، فأضاف الكون إليها ، فعبدها ، وكلا الفريقين على باطل من تقصير وغلوّ وتفريط وإفراط . فإنّما وقع ذلك غير مقصود من تكوير الشمس وتنويرها ولا أنّ الشمس خلقت لها بالذات ، كذلك الفريقان في إضافة الهدى والضلال إلى الفرقان على غلوّ وتقصير وإفراط وتفريط . فواحد أعمى والثاني أصمّ : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ